|
الموجز-مقال اليوم
محمد عبدالقادر الجاسم
"انفخ يا شريم.."!
من الواضح أن العمل السياسي في الكويت يدخل حاليا مرحلة جديدة يتم فيها إعادة ترتيب بعض الأوراق.. ومن الواضح أيضا أن هناك "توجهات" جديدة على مستوى الأسرة الحاكمة وعلى مستوى واجهتها التنفيذية، أي الحكومة. ويمكن التعرف على تلك التوجهات من خلال فحص التشكيل الحكومي وكذلك بعض ما قيل بمناسبته أو بمناسبة افتتاح دور انعقاد مجلس الأمة. ويمكن تلخيص المرحلة الجديدة بالقول أنها مشروع "التحكم والسيطرة". ويبدو أن "تضبيط" بعض نتائج الانتخابات لصالح السلطة قد ولد بعض الحماس "المتأخر" لفرض المشروع السياسي الجديد، إلا أن الحماس وحده لن يكفي، فواقع العلاقات السياسية بين بعض الشيوخ وانعكاسها على الوضع الداخلي للحكومة وعلى علاقتها بمجلس الأمة سوف يؤدي كل ذلك إلى تشتت الجهد ويقود نحو الفشل المحتوم للمشروع عموما وللحكومة الجديدة على وجه التحديد.
فمن المعروف أن العلاقة السياسية بين رئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر المحمد والشيخ أحمد الفهد غير ودية على الإطلاق، وأن كل منهما يحمل أجندة ضد الآخر. ولعل السبب الوحيد الذي دفع الشيخ ناصر إلى إشراك الشيخ أحمد هو أن القرار لم يكن قراره، لذلك فقد نجح الشيخ أحمد في فرض شروطه واختيار المنصب الذي يريد لا المنصب الذي عرضه عليه الشيخ ناصر في البداية، إذ أدرك الشيخ أحمد أن منصب وزير الدولة لشؤون مجلس الأمة بمثابة "محرقة سياسية" له، لذلك رفض العرض وهو يدرك أن وجوده في الحكومة مفروض على الشيخ ناصر.
إن هذا الوضع يمنح الشيخ أحمد اليد الطولى، بل أنني أتوقع أن تتكرر حالات تجاوز الشيخ أحمد للشيخ ناصر وأن يتمكن الشيخ أحمد من استقطاب باقي الوزراء من غير الشيوخ ثم يصبح، وبشكل تدريجي، رئيس الوزراء الفعلي بعد أن ينسحب البساط من تحت الشيخ ناصر الذي لن يتمكن من الحفاظ على منصبه أو حكومته من دون الاستعانة بجهود شخص مثل الشيخ أحمد. لكن في حال رفض الشيخ ناصر الاستسلام أمام طموح الشيخ أحمد ووضع العراقيل أمامه، وإن كنت أشك في قدرة الشيخ ناصر على فعل ذلك، فإن الشيخ أحمد لن يتبرع "بتضبيط" النواب ولن يتطوع في الدفاع عن ابن عمه بلا مقابل سياسي.. هذا إن لم يتم "تضبيط" الأمور في الاتجاه المعاكس نحو استجواب جديد للشيخ ناصر!
وبالإضافة إلى ذلك، يأتي ملف العلاقة بين كل من الشيخ ناصر المحمد والشيخ جابر المبارك ليحمل أيضا بذور خلاف متوقع يؤدي إلى الإطاحة بالشيخ جابر المبارك سريعا. فبعد هبوط أسهم الشيخ ناصر في العودة كرئيس لمجلس الوزراء، وشيوع أخبار عن احتمال تكليف الشيخ جابر المبارك، ثم قيام الشيخ جابر بمحاولة ترتيب أموره.. تسبب هذا كله في إحداث شرخ في العلاقة بين الشيخين، وسرعان ما برزت أجندة خاصة للشيخ جابر المبارك على حساب الشيخ ناصر، إلا أن ارتفاع أسهم الشيخ ناصر مرة أخرى أضعف الشيخ جابر كثيرا حتى أن احتفاظه في منصبه كان غير مضمون وقد دخل التشكيل الحكومي وهو "مكسور" نفسيا. ومن خلال ما يتم تداوله من معلومات، يبدو أن التخلي عن الشيخ جابر وإخراجه من الوزارة مسألة وقت لا أكثر! وبالطبع فإن الخلافات العميقة والحادة والقديمة بين الشيخ جابر المبارك والشيخ أحمد الفهد وإخوانه سوف تعجل كثيرا في إضعاف الشيخ جابر حيث من المتوقع أن يتم تجاهله في البداية، أي في مرحلة التقارب الحذر بين الشيخ ناصر والشيخ أحمد الفهد، على نحو يشعره بالعزلة وقد يدفعه إلى المبادرة بتقديم استقالته قبل الاستجواب المتوقع له من النائب ضيف الله بورمية.
أما على صعيد باقي الشيوخ في الحكومة فإنه من المستحيل أن ينجح الشيخ جابر الخالد أو الشيخ محمد الصباح أو الشيخ أحمد العبدالله في لعب دور مهم بوجود الشيخ أحمد الفهد الذي يمتلك قدرات شخصية وعلاقات مؤثرة تفوق قدراتهم الفردية بل والجماعية، وبالتالي فإن دورهم، على مستوى السياسة المحلية، سوف يكون هامشي مما يجعل علاقتهم بالشيخ أحمد الفهد محكومة بعامل الغيرة الشخصية والمهنية!
هذا عن الشيوخ، أما عن الحكومة ككل.. ففي الحقيقة لم أتمكن من استخلاص دلالة محددة من التشكيل الحكومي، بمعنى أنني لم أجد قواسم مشتركة تجمع بين الوزراء تجعلهم فريقا واحدا يسعى إلى تنفيذ خطة محددة، بل على العكس من ذلك فعناصر التعارض بينهم أكثر بكثير من عناصر التقارب. فعلى سبيل المثال، هناك أشخاص تم توزيرهم تحت تأثير وضعهم القبلي، أي أن توزيرهم جاء استجابة "للحسبة" القبلية مثل الدكتور محمد العفاسي والدكتور محمد البصيري والدكتور بدر شريعان العازمي، وفي المقابل هناك أشخاص تم توزيرهم ومعروف عنهم "حساسيتهم" السلبية الشديدة تجاه أبناء القبائل مثل الدكتور هلال الساير وأحمد الهارون!
ونظرا لغياب المشروع الحكومي ولفقدان القواسم المشتركة بين الوزراء الشيوخ أو بينهم وبين بقية الوزراء أو بين أعضاء الحكومة كافة، فإنه لابد من توقع فشل الحكومة وتفككها من الداخل بصرف النظر عن اصطدامها مع مجلس الأمة.
أما عن الوزراء فرادى، فإن قدراتهم الذاتية وكفاءتهم في نطاق أعمالهم الأصلية لا يعني نجاحهم في العمل السياسي، بل أن بعضهم لن يتمكن من تحقيق الغرض الذي تم توزيره من أجله. فالمستشار راشد الحماد وزير العدل والأوقاف كان رئيس مجلس القضاء ورئيس المحكمة الدستورية ورئيس محكمة التمييز، وهو لم يكن في يوم من الأيام رجل سياسة أبدا وبالتالي فإنه سوف يواجه صعوبة في التعامل مع النواب ومع الصحافة إذ أنه اعتاد على ما يوفره له منصبه القضائي من حماية تضعه فوق مستوى الجدل السياسي وإفرازاته.. على أي حال ففي ظني أن سبب اختياره لوزارة العدل هو رغبة الشيخ ناصر المحمد في التصالح مع القضاة بعد أن شاب تلك العلاقة بعض التوتر والخلاف في أعقاب موضوع رواتب القضاة ورفض الحكومة اتخاذ إجراءات ضد من انتقد أحكام المحكمة الدستورية التي صدرت في الطعون الانتخابية العام الماضي، ويتردد أن رئيس مجلس الوزراء يسعى أيضا، من خلال توزير الرئيس السابق للمحكمة الدستورية، إلى "التقرب" من تلك المحكمة ومحاولة استدراجها إلى القيام بالدور السياسي الذي كانت تقوم به في تشكيلاتها السابقة على رئاسة الحماد لها على مستوى القرارات التي أصدرتها في تفسير نصوص الدستور، إلا أنني أظن أن المحكمة الدستورية، بعد توزير الحماد، سوف تميل أكثر نحو تعزيز وتأكيد استقلاليتها عن الحكومة ولن تسمح للحكومة باستدراجها نحو اللعبة السياسية حفاظا على سمعتها الجيدة التي كسبتها خلال السنوات الثلاث الماضية، خاصة أن رقابة شديدة تمارس من قبل رجال القانون على أحكام تلك المحكمة. ولا أظن أن الوزير راشد الحماد يقبل أساسا القيام بدور "الوسيط" بين الحكومة والمحكمة الدستورية، فهو أنظف وأرقى من أن يقوم بمثل هذا الدور. إن نظافة ورقي هذا الرجل الذي عرفته عن قرب تدفعني إلى توقع اشمئزازه سريعا ونفوره من اللعبة السياسية وخروجه من العمل السياسي قريبا، فهو لن يقبل بتلطيخ سمعته الطيبة التي شيدها على منصة القضاء طوال عقود من عمره، ولن يضحي بها في دهاليز السياسة!
وللمقال بقية.. |